/ الْفَائِدَةُ : (26/ 293) /

14/04/2026



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [تَرَاتُبِيَّةُ الكَشْفِ المَعْرِفِيِّ: نِسْبِيَّةُ الظَّنِّ فِي ظِلِّ مَرَاتِبِ اليَقِينِ الصَّاعِدَةِ] لَقَدْ تَضَمَّنَتْ بَيَانَاتُ الوَحْيِ اسْتِعْمَالاً مَعْرِفِيّاً بَدِيعاً ، يَمْتَازُ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ تَتَفَوَّقُ عَلَى مَحْضِ نِتَاجِ الفِكْرِ البَشَرِيِّ ؛ وَمُؤَدَّى ذَلِكَ : أَنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ (اليَقِينِ) تُعَدُّ ـ عِنْدَ المُقَايَسَةِ ـ (ظَنّاً مُتَشَابِهاً) بِـلِحَاظِ مَا يَعْلُوهَا مِنْ دَرَجَاتِ اليَقِينِ الصَّاعِدَةِ ؛ فَالكَاشِفِيَّةُ مَهْمَا بَلَغَتْ ، تَبْقَى قَاصِرَةً دُونَ الرُّتْبَةِ الأَتَمِّ وَالأَعْلَى كَشْفاً ؛ إِذْ إِنَّ مَفْهُومَ "الظَّنِّ" فِي هَذَا السِّيَاقِ لَا يَعْنِي مَحْضَ التَّرَدُّدِ ، بَلْ هُوَ نُقْصَانُ الانْكِشَافِ بِمُقَابَلَةِ النُّورِ المَحْضِ لِلْحَقِيقَةِ الكُلِّيَّةِ . [مَلَاكَاتُ الظَّنِّ بَيْنَ المَدْحِ وَالذَّمِّ: مِنْ حَرَكِيَّةِ الِاسْتِكْشَافِ إِلَى جُمُودِ الرُّكُونِ] [ثُنائِيَّةُ الظَّنِّ: بَيْنَ الِاسْتِشْرَافِ المَعْرِفِيِّ وَالِانْكِفَاءِ الذَّاتِيِّ] وَكَذَا (الظَّنُّ) ؛ فَإِنَّهُ ذُو مَرَاتِبَ وَأَنْوَاعٍ شَتَّى ؛ فَمِنْهَا المَمْدُوحُ شَرْعاً وَعَقْلاً ، وَهُوَ ذَلِكَ (الظَّنُّ الِاسْتِكْشَافِيُّ) البَاعِثُ عَلَى الِاسْتِشْرَافِ المَعْرِفِيِّ ، وَالتَّنْقِيبِ عَنِ الحَقَائِقِ الأَزَلِيَّةِ ، بِمَا يُفْضِي إِلَى تَسْرِيعِ عَجَلَةِ الِاسْتِبَانَةِ لِلْمُغَيَّبَاتِ. وَمِنْهَا المَذْمُومُ شَرْعاً وَعَقْلاً ، وَهُوَ (الظَّنُّ الرُّكُونِيُّ) المُوجِبُ لِلِاسْتِرْسَالِ مَعَ الدُّنْيَا ، وَالإِحْجَامِ عَنِ التَّوَسُّعِ المَعْرِفِيِّ ؛ مِمَّا يُورِثُ الِانْكِفَاءَ الذَّاتِيَّ ، وَيُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى مَهَاوِي الشَّكِّ المُرِيبِ . وَعَلَيْهِ : فَإِنَّ (الظَّنَّ) فِي المِيزَانِ المَعْرِفِيِّ لَيْسَ عَلَىٰ وَتِيرَةٍ نَسَقِيَّةٍ وَاحِدَةٍ ، بَلْ يَنْشَطِرُ إِلَىٰ مَنْحَيَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ : [ثُنَائِيَّةُ الظَّنِّ المَمْدُوحِ: دِينَامِيَّةُ الِاسْتِشْرَافِ نَحْوَ الحَقِيقَةِ الأَزَلِيَّةِ] الأَوَّلُ : الظَّنُّ المَمْدُوحُ (الظَّنُّ العِلْمِيُّ) ؛ وَهُوَ ذَلِكَ النَّزُوعُ الذِّهْنِيُّ البَاعِثُ عَلَى التَّنْقِيبِ وَالمَعْرِفَةِ ، وَالمُحَفِّزُ لِتَقَصِّي مُطْلَقِ الحَقِيقَةِ ؛ (الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ المُقَدَّسَةِ) ، وَعَنِ الآخِرَةِ الأَبَدِيَّةِ . وَهَذَا مَا تَسْتَشْرِفُهُ بَيَانَاتُ الوَحْيِ المَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾(1). فَهَذَا النَّمَطُ مِنَ الظَّنِّ مَمْدُوحٌ (شَرْعاً وَعَقْلاً) ؛ لِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ مَلَكَاتٍ وَظِيفِيَّةٍ ، أَهَمُّهَا : أَوَّلاً : تَوْسِيعُ المَدَارِ المَعْرِفِيِّ : إِذْ يَدْفَعُ النَّفْسَ نَحْوَ بَسْطِ مَسَارَاتِ النَّظَرِ ، وَتَسْرِيعِ عَجَلَةِ التَّكَامُلِ العِلْمِيِّ . ثَانِياً : اسْتِكْشَافُ المَحْجُوبَاتِ : حَيْثُ يَسْعَى الدَّائِبُ فِيهِ إِلَى اسْتِجْلَاءِ المَجْهُولَاتِ ، وَسَبْرِ أَغْوَارِ المُغَيَّبَاتِ الخَفِيَّةِ . [انْكِفَاءُ الظَّنِّ المَذْمُومِ: عَقَبَاتُ الِارْتِيَابِ فِي مَسَارِ التَّكَامُلِ] الثَّانِي : الظَّنُّ المَذْمُومُ (ظَنُّ الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ) ؛ وَهُوَ ذَلِكَ الظَّنُّ المُنْكَبُّ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ ، الدَّاعِي إِلَى الإِحْجَامِ عَنْ طَلَبِ المَعَالِي ، وَالقُعُودِ عَنْ نَيْلِ المَرَاتِبِ القُدْسِيَّةِ . وَهَذَا مَا تَسْتَعْرِضُهُ بَيَانَاتُ الوَحْيِ المَعْرِفِيَّةُ فِي مَقَامِ الذَّمِّ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾(2). وَهَذَا النَّمَطُ مِنَ الظَّنِّ مَذْمُومٌ (شَرْعاً وَعَقْلاً) ؛ لِمَا يَعْقِبُهُ مِنْ مَفَاسِدَ مَنْهَجِيَّةٍ ، أَهَمُّهَا : أَوَّلاً : حَصْرُ النَّفْسِ فِي نِطَاقِ المَادَّةِ : إِذْ يُقَيِّدُ صَاحِبَهُ فِي دَائِرَةِ المَحْسُوسِ الضَّيِّقَةِ ، وَيَحْجُبُ بَصِيرَتَهُ عَنِ النَّظَرِ فِيمَا وَرَاءَ حُدُودِ المَعْلُومَاتِ المَادِّيَّةِ الرَّاتِبَةِ . ثَانِياً : عَرْقَلَةُ الفَحْصِ المَعْرِفِيِّ : حَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى النُّكُوصِ عَنْ طَلَبِ اليَقِينِ ، وَيُورِثُ الرِّيبَةَ وَالقَلَقَ الِاضْطِرَابِيَّ ؛ مِمَّا يَقْطَعُ عَلَى الإِنْسَانِ سَبِيلَ التَّرَقِّي فِي مَعَارِجِ الكَمَالِ . [الجَمْعُ بَيْنَ المَرَاتِبِ فِي المَنْظُورِ الوَحْيَانِيِّ: ثُنَائِيَّةُ الظَّنِّ بَيْنَ الغَيْبِ وَالمَادَّةِ] وَإِلَىٰ كُلِّ هَذَا تُشِيرُ بَيَانَاتُ الوَحْيِ المَعْرِفِيَّةُ الأُخْرَى ، وَمِنْهَا : بَيَانُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِي مَقَامِ احْتِجَاجِهِ عَلَى الزِّنْدِيقِ : « ... وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}(3)... كَذَلِكَ قَوْلُهُ : {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ}(4) ؛ يَعْنِي : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ فَإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَآتٍ : مِنَ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ ؛ فَـاللِّقَاءُ هَا هُنَا لَيْسَ بِـالرُّؤْيَةِ ، وَاللِّقَاءُ هُوَ : البَعْثُ... وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا}(5) ؛ يَعْنِي : تَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ دَاخِلُوهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ}(6) ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ـ لِلْمُنَافِقِينَ ـ : {تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}(7) فَهُوَ : ظَنُّ شَكٍّ ، وَلَيْسَ ظَنَّ يَقِينٍ ، وَالظَّنُّ ظَنَّانِ : ظَنُّ شَكٍّ ، وَظَنُّ يَقِينٍ ؛ فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ المَعَادِ مِنَ الظَّنِّ فَهُوَ ظَنُّ يَقِينٍ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَهُوَ ظَنُّ شَكٍّ ... »(8). وَدَلَالَتُهُ قَدِ اتَّضَحَتْ. وَالخُلَاصَةُ : إِنَّ الدَّلَالَةَ الوَحْيَانِيَّةَ تَصِيغُ مَفْهُومَ (الظَّنِّ) بِاعْتِبَارِهِ حَالَةً مَعْرِفِيَّةً وُسْطَى ؛ فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالغَيْبِ كَانَتْ عَيْنَ اليَقِينِ ؛ لِتَعَالِي رُتْبَةِ مُتَعَلَّقِهَا وَرُسُوخِ مَبَادِئِهِ ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِعَالَمِ المَادَّةِ كَانَتْ عَيْنَ (الشَّكِّ)؛ لِتَدَنِّي حَقِيقَتِهَا وَتَزَلْزُلِ قَوَاعِدِهَا . وَصَلَّىٰ اللّٰهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سُورَةُ البَقَرَةِ : 46. (2) سُورَةُ الجَاثِيَةِ : 24. (3) سُورَةُ البَقَرَةِ : 46. (4) سُورَةُ العَنْكَبُوتِ : 5. (5) سُورَةُ الكَهْفِ : 53. (6) سُورَةُ الحَاقَّةِ : 20. (7) سُورَةُ الأَحْزَابِ : 10. (8) الِاحْتِجَاجُ ، لِلطَّبْرِسِيِّ ، 1 : 363 (احْتِجَاجُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ "صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ" عَلَى الزِّنْدِيقِ فِي آيِ مُتَشَابِهِ القُرْآنِ)